مقالات رأي

كورونا على أعتابَ مُخيماتِ إدلبَ ولسانُ حالَهم يقولُ: “العزلُ يُميتنا جوعاً والوقايةُ تُميتنا عطشاً”

لا يشغل فيروس “كورونا” أو غيره من الفيروسات التي تُهدد العالم بالَ النازحين بإحدى الخيمات المهترئة ضمن تجمعاتهم في شمال غربي سوريا، بقدرِ ما يشغلهم توفيرُ قوتِ يومهم وإحضارُ الخبز والخضار لعائلاتهم، أو كما يقول لسان حالهم: “الأفضلُ يصير فينا كورونا وهذا يلي جاي من الله، أفضلُ ما نموت من الجوع في الخيمة”.

وفي حين تتوالى تحذيرات ونصائح منظمة الصحة العالمية والجمعيات الأممية بضرورة البقاء في المنازل والعزل الصحي لوقفِ انتقال فيروس كورونا الذي أُصيب به قرابة المليون شخص، وراح ضحيته عشرات الآلاف من الأشخاص حتى الآن، فلا يملك أكثر من 4 ملايين مواطن بشمال غرب سوريا القدرة على العزل، أو حتى رفاهية المياه للاستحمام وغسل الأيدي.

هناك في إدلب وأجزاء من حلب، ينتشر النازحون جرّاء الحرب المُندلعة منذ عام 2011، داخل المخيمات وعلى جانبي الطرقات، وتحت الأشجار بالقرب من الحدود مع تركيا يسكنون، مأساة جديدة تُضاف إلى هؤلاء وخوفٍ آخر يتجدّد، ليس هذه المرّة من البرد القارس الذي حصد حياة العشرات منهم قبل أسابيع فصاروا جثثًا مُتجمدة داخل الخيام، أو بسبب تلك القنابل المتساقطة عليهم من السماء، أو الحرب الدائرة على الأرض، ولكنه وباء كورونا الجائح.

إذ تُقدر لجنة الأمم المتحدة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن سوريا، أعداد النازحين داخليًّا بـ6.5 ملايين شخص، ينتشر 2.8 مليون منهم في إدلب وضواحيها، ويُضاف إليهم 900 ألف مدني هاربٍ من ويلات الحرب إلى الشمال الغربي خلال الأشهر الأربعة الأخيرة فقط، بينما تُشير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ سوريا لا يعمل بها الآن سوى 64% من المستشفيات، و52% من مراكز الرعاية الصحية، فضلًا عن فرار 70% من العاملين الصحيين من البلاد، وتعرّض الكوادر الطبية للاعتقال والاختفاء.

وبحلول مساء يوم الأحد الـ22 من آذار الجاري، أعلن نظام الأسد رسميًاً أولَ إصابة بالفيروس في دمشق لدى شابة قال إنّها قادمة من الخارج، مما دفع منظمة الأمم المتحدة إلى دقّّ ناقوس الخطر الأكبر بشأن كورونا و”الخوف من الوصول إلى مخيمات النازحين شمال غرب البلاد”.

وسرعان ما توالت الدعوات على لسان الأمين العام “أنطونيو جوتيريش” إلى الوقفِ الفوري لإطلاق النار في جميع أنحاء سوريا لمواجهة الفيروس، وحذّر مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى البلاد “غير بيدرسون”، قائلًا: “السوريون تحديدًا معرّضون بشدّة لفيروس (كوفيد-19)، الكثير من مرافق الرعاية مُدمّرة، وهناك نقص هائل في المعدّات الطبية ومجال الصحة”، وأعقبه بيانٌ في الـ28 من مارس على لسان “باولو بينيرو”، رئيس لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا بأنّ “المدنيين السوريين سيواجهون تهديدًا مميتًا متمثلًا بتفشي كوفيد-19 الذي لا يميّز بين أحدٍ إذا ما بدأ الهجوم، وأنّ النازحين هم الأكثرُ ضعفًا”.

الحصول على الماء النظيف أو الصرف الصحي محدود للغاية في تلك المناطق بغرب سوريا، أما في سائر الأنحاء وفي أماكن أخرى من البلاد، فلا يزال عشرات الآلاف يعانون من نقص الرعاية الطبية ومعظمهم من النساء والأطفال.

ووفقاً للتوقّعات فلا يستطيع هؤلاء النازحون في المخيمات الخضوعَ لأيِّ نظام حَجر صحي في سبيل مواجهة “كورونا” أو الاهتمام بنظافتهم الوقائية إذا حلّت الكارثة، كون المخيمات في المنطقة تُعاني من وجود أعداد هائلة من النازحين مع انتشار مياه الصرف الصحي بينها، وافتقارها لدورات مياه بالمعنى الحقيقي، وغياب التعليم والمدارس.

قبل 4 أيام فقط، بدأت مديرية الصحة الحرّة في إدلب التابعة للحكومة السورية المؤقّتة اختبارات الكشف عن الإصابة بفيروس كورونا للمشتبه بهم بعد وصول ثلاث “كيتات” تكفي لـ300 مريض فقط، أرسلتها منظمة الصحة العالمية إلى مخبر شبكة الإنذار المبكّر بالمحافظة الخاضعة تحت سيطرة المُعارضة، وفي الـ29 من آذار تسلّمت المديرية ثلاث “كيتات” جديدة لأجهزة الـ”PCR” القادرة على كشف الفيروس، بحسب ما أكّده الدكتور “عبدالحكيم رمضان”، منسّق الصحة العامة في المديرية.

وعلى الرغم من عدم ظهور أيّ إصابات بالفيروس في الشمال السوري، إلا أنّ الوضع الصحي كارثي والاستعداد الحقيقي لمواجهة خطر كورونا أقل من 1%، وتوعية نازحي المخيمات صعبة للغاية، فهي نتاج حرب استمرت سنوات عديدة، تركتهم بلا تعليم أو مأوى أو مياه نظيفة أو دور رعاية مؤهلة، عدا عن وجود “201 سرير عناية مركّزة” فقط في الشمال السوري تخدم 4.2 ملايين شخص، وبعجز أطباء بلغ 600 طبيب بمعدل 1.3 طبيب لكلّ 10 آلاف مدني.

وحدة تنسيق الدعم أطلقت عبْرَ شبكة الإنذار المبكّر والاستجابة للأوبئة التابعة لها وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والمنظمات السورية غيرِ الحكومية، برنامجًا استعدادًا لكورونا في شمال سوريا تحت اسم “Task Force” لاتخاذ التدابير الاحترازية لمواجهة الوباء، ورغمَ تلك الجهود إلا أنّها قليلة جدًّا إذا ما قُورنت بحجم الكارثة التي قد تواجهها مخيمات النازحين وحدها.

وعبْرَ موقعها الرسمي نشرت الجمعية الطبية السورية الأمريكية “سامز” (منظمة إغاثة غير ربحية) صورًا لعددٍ من أفراد طاقمها أشارت إلى أنّهم ضمن عيادة متنقلة تحت اسم “جبل الزاوية”، لتقديم الأنشطة الطبية والتوعوية ضدّ الفيروس بمخيمات “كنصفرة” و”بني خزاعة” بريف إدلب الشمالي، مؤكدةً في الوقت ذاته أنّ مناطق شمالي وغربي سوريا من أخطر الأماكن وأكثرها قابلية لانتشار أيّ وباء بشكلٍ كبير، وأنّهم مستمرون في تعريف النازحين بالمرض وخطورته عبر جلساتهم التوعوية.

مع كلّ هذا، يبقى وضع النازحين خاصًّا بل مأساويًّا، فلا تتوافر لديهم مقوّمات الحياة وسيظلّ رجالهم مجبرين على الخروج صباحًا والعودة مساءً إلى خيامهم لكسب قوت يومهم، فلا تملك المنظمات المحلية موارد لتوفّر لهم المأكل والمشرب، وبين كل هذا وذاك تتجدد مخاوفُهم من كارثة قريبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق